هل تبحث عن لمحة سريعة؟
تلخيص المقال
المساعد الذكي من إليفانتيالمحطّات الرئيسية
المساعد الذكي من إليفانتيتصاعد موجات الحر في أوروبا
موجات الحر صارت أكثر حدة وتكرارًا بسبب ظاهرة القبّة الحرارية والتغيرات المناخية.دور غازات الدفيئة
احتباس ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة يزيد حرارة الجو ويؤدي إلى جفاف الأرض.استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة
يستهلك الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الكهرباء مع توقعات تضاعف الاستهلاك بحلول 2030.مفارقة جيفونز والتحديات البيئية
زيادة كفاءة النماذج تؤدي إلى استخدام مضاعف، ولا توجد حلول سريعة دون تنظيم وضوابط.العدالة البيئية وحوكمة الذكاء الاصطناعي
توزيع الفوائد والأعباء جغرافيًا غير متوازن مع ضرورة تبني معايير شفافية وعدالة بيئية.منذ أواخر مايو 2026 وأوروبا تعيش موجات حرٍّ متلاحقة كسرت أرقامًا قياسية في أكثر من اثنتي عشرة دولة، من إسبانيا والبرتغال غربًا إلى بولندا ورومانيا شرقًا. فرنسا سجّلت أعلى معدّل حرارةٍ وطنيّ في تاريخها، وتجاوزت الحرارة 43 درجة مئوية في بعض المدن، بينما أُعلنت حالة الإنذار الأحمر في 58 مقاطعة فرنسية دفعةً واحدة. مستشفياتٌ مثقلة، مدارس مغلقة، حرائق غابات، وأرقام وفياتٍ تُقدَّر بالآلاف عبر القارة. وسط هذا المشهد، بدأ نقاشٌ متصاعد يسأل: إلى أي حدٍّ يتحمّل الذكاء الاصطناعي — بشراهته المتنامية للطاقة والمياه والأرض — جزءًا من المسؤولية عمّا يجري؟
هذا المقال يعالج السؤال من زاويتين متكاملتين: الأسباب العلمية المناخية التي تفسّر لماذا تشتدّ موجات الحر الأوروبية عامًا بعد عام، والأسباب العملية والتقنية التي تربط الانفجار الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بمسار الانبعاثات العالمي، استنادًا إلى تقريرٍ حديثٍ صادر عن جامعة الأمم المتحدة في يونيو 2026، إلى جانب تقارير وكالة الطاقة الدولية ومنظمة الأرصاد الجوية العالمية وشركات التقنية الكبرى نفسها.
أولًا: ماذا يحدث في أوروبا فعليًا؟
الصيف الأوروبي لعام 2026 لم يكن موجة حرٍّ واحدة، بل سلسلة. الموجة الأولى بدأت في 24 مايو بحرارةٍ غير مسبوقة لهذا الشهر، تلتها موجةٌ ثانية أشدّ وطأة في 17 يونيو قبيل الانقلاب الصيفي مباشرة. فرنسا سجّلت يومها الأكثر حرارةً على الإطلاق في 24 يونيو بمعدّل وطنيّ بلغ 30 درجة مئوية، متجاوزةً الأرقام القياسية السابقة لعامي 2019 و2003، مع درجات حرارة محلية وصلت إلى ما يفوق 43 درجة في بعض البلدات الغربية. إسبانيا أعلنت أكثر من ألف حالة وفاةٍ زائدة مرتبطة بالحر خلال يونيو وحده، في ثاني أشدّ يونيو حرارةً في تاريخها. أما إيطاليا فوضعت اثنتي عشرة مدينة كبرى، من بينها روما وميلانو وفلورنسا، تحت أعلى مستويات الإنذار الصحي، وارتفع العدد لاحقًا إلى ما يقارب ستّ عشرة مدينة.
الأثر لم يقتصر على الصحة العامة؛ فقد تعطّلت شبكات النقل في ألمانيا وتشيكيا وبولندا مع تجاوز الحرارة 40 درجة، وانقطعت الكهرباء عن عشرات آلاف المنازل في فرنسا مع تصاعد الطلب على التبريد، وأُلغيت فعالياتٌ جماهيرية كبرى وأُجّلت مباريات رياضية بسبب الحرارة والعواصف المصاحبة لها. منظمة الأرصاد الجوية العالمية وصفت الموجة بأنها من بين الأشدّ تسجيلًا في القارة، مرفقةً بحرائق غابات وموجات جفاف في مناطق متعددة.
إقرأ أيضًا
المساعد الذكي من إليفانتيثانيًا: الأسباب العلمية — لماذا تشتدّ موجات الحر الأوروبية تحديدًا؟
القبّة الحرارية: الآلية الجوية المباشرة
الموجات المتتالية في 2026 نتجت عن نظام ضغطٍ جويّ مرتفع وقويّ استقرّ فوق القارة الأوروبية، وهو ما يُعرف بـ”القبّة الحرارية”. هذا الضغط المرتفع يدفع الهواء نحو الهبوط، فيمنع تكوّن الغيوم ويطيل ساعات سطوع الشمس، ما يرفع الحرارة عبر ما يُعرف بالتسخين الانضغاطي. في الوقت نفسه، تسلّل هواءٌ ساخنٌ جافّ من شمال أفريقيا وعلق فوق أوروبا بفعل أنظمة ضغطٍ محيطة به من الجهتين، فمنعته من الانتقال بعيدًا.
الإسناد العلمي: كم من هذا بفعل الإنسان؟
هنا يكمن جوهر النقاش العلمي. دراسات إسناد المناخ (Climate Attribution)، وعلى رأسها تحليلات مبادرة World Weather Attribution، وجدت أن موجات الحر بهذه الحدّة صارت اليوم أكثر احتمالًا بعشرات بل مئات المرّات مقارنةً بعام 2003، وأنها كانت غير معهودةٍ إطلاقًا قبل خمسين عامًا. الفارق تحديدًا: موجات الحر كانت أبرد بنحو 3.5 درجة مئوية في يونيو 1976، وأبرد بدرجتين حتى في 2003 مقارنةً بمستوياتها اليوم. بعبارة أحد الباحثين في جامعة ريدينغ، الأمر أشبه بسباقٍ نُقل خطّ بدايته إلى قرب خطّ النهاية — أي أن الاحترار العالمي “يحمّل النرد” لصالح الظواهر النادرة فتصبح شائعة.
الأهمّ من ذلك: أوروبا تحديدًا تسخن بمعدّلٍ يبلغ ضعف المعدّل العالمي تقريبًا منذ ثمانينيات القرن الماضي وفق دائرة تغيّر المناخ التابعة لبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي، ما يجعلها من أكثر قارّات العالم تأثرًا بهذه الظاهرة. ووفق تقديرات إسناد المناخ، فإن استمرار مسار الانبعاثات الحالي يعني أن حدثًا بحجم موجة حرّ هذا الصيف سيتكرّر كل عقدين تقريبًا، وأن ما نراه اليوم من تطرّف هو معاينةٌ مبكرة لما قد يصبح “صيفًا عاديًّا” بحلول منتصف القرن.
الآلية الفيزيائية الأساسية
خلف كل هذا يقف مبدأ فيزيائيّ بسيط: غازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، تحبس حرارةً إضافية في الغلاف الجوي بدل السماح لها بالانطلاق إلى الفضاء. كل درجةٍ إضافية من الاحترار العالمي تعني غلافًا جويًّا أكثر جفافًا وقدرةً أعلى على تخزين الحرارة، وتربةً أكثر جفافًا تُسرّع بدورها من تسخين الهواء القريب من السطح — وهي حلقةٌ تراكميةٌ تُغذّي نفسها.
ثالثًا: أين يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع هذه الصورة؟
هنا يأتي دور التقرير الذي أثار نقاشًا واسعًا مؤخرًا: تقرير معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH)، الصادر في 3 يونيو 2026 بعنوان “التكلفة البيئية لاستخدام الذكاء الاصطناعي للطاقة: البصمات الكربونية والمائية والأرضية”، وهو أول تقريرٍ شامل من نوعه يقيس أثر الذكاء الاصطناعي بثلاثة أبعادٍ متزامنة بدل الاكتفاء بالانبعاثات الكربونية وحدها.
حجم المشكلة بالأرقام
استهلكت مراكز البيانات العالمية نحو 448 تيراواط/ساعة من الكهرباء في 2025 وحدها — رقمٌ لو قورن بدول العالم لجعلها الحادية عشرة عالميًّا من حيث استهلاك الكهرباء، خلف فرنسا وأمام السعودية. لكن الأخطر هو المسار التصاعدي: يتوقّع التقرير أن يصل هذا الاستهلاك إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، أي ما يقارب ضعف استهلاك فرنسا الحالي مجتمعةً، وهو رقمٌ يفوق مجموع الاستهلاك السنوي لباكستان وبنغلاديش ونيجيريا، وهي دولٌ يقطنها أكثر من 650 مليون نسمة.
البصمة الكربونية المصاحبة لاستهلاك 2030 المتوقّع تُقدَّر بنحو 399 مليون طنٍّ من ثاني أكسيد الكربون، يتطلّب تعويضها زراعة نحو 6.7 مليار شجرة لعقدٍ كامل — أي ضعف العدد التقديريّ لأشجار المملكة المتحدة بأكملها. أما البصمة المائية فتُقدَّر بنحو 9.3 تريليون لترٍ من المياه، توازي الاحتياجات المنزلية الأساسية السنوية لكامل سكان أفريقيا جنوب الصحراء البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة. والبصمة الأرضية تتجاوز 14,500 كيلومترٍ مربّع، أي ضعف مساحة العاصمة الإندونيسية جاكرتا الكبرى.
مفارقةٌ مهمّة: خفض الكربون قد يرفع المياه والأرض
من أهمّ ما كشفه التقرير أن هذه البصمات الثلاث لا تتحرّك بالضرورة في الاتجاه نفسه. التحوّل من الفحم إلى الطاقة الحيوية، مثلًا، قد يخفّض البصمة الكربونية للكهرباء بنسبة 70% في المتوسط، لكنه في المقابل قد يرفع البصمة المائية بأكثر من ثلاثين ضعفًا والبصمة الأرضية بمئة ضعف. الخلاصة العملية: “منخفض الكربون” لا يعني تلقائيًّا “منخفض المياه” أو “منخفض الأرض”، وتقييم استدامة الذكاء الاصطناعي بمقياسٍ واحد فقط قد يُخفي مقايضاتٍ خطيرة وينقل الأعباء البيئية إلى مناطق تعاني أصلًا من ندرة المياه أو ضغط الأراضي.
الاستدلال، لا التدريب، هو المستهلك الأكبر
يصحّح التقرير مفهومًا شائعًا: النقاش العام يركّز غالبًا على طاقة تدريب النماذج الضخمة، لكن بمجرّد نشر النموذج يصبح “الاستدلال” — أي تشغيله يوميًّا للإجابة على استفسارات المستخدمين — هو المستهلك الأكبر بواقع 80 إلى 90% من إجمالي طاقة الذكاء الاصطناعي. فبينما احتاج تدريب GPT-3 نحو 1.3 غيغاواط/ساعة، وGPT-4 ما بين 50 و70 غيغاواط/ساعة، فإن خدمةً واحدة مثل ChatGPT، التي تعالج نحو 2.5 مليار طلبٍ يوميًّا، تستهلك وحدها ما يقارب 383 غيغاواط/ساعة سنويًّا.
الفارق بين أنواع الطلبات هائل أيضًا: طلب محادثةٍ نصّي عادي يستهلك طاقةً تقارب 200 ضعف طلب تصنيفٍ نصّي بسيط، بينما توليد صورةٍ واحدة بالذكاء الاصطناعي يستهلك نحو 1,450 ضعف ذلك الأساس. أما توليد مقطع فيديو قصير فقد يوازي استهلاكه الكهربائي 200 ألف عملية تصنيفٍ نصّي بسيط. بصمة توليد فيديو معقّد من حيث المياه قد تصل إلى نحو 4.1 لتر — ما يقارب احتياج شخصٍ واحد من مياه الشرب ليومين.
مفارقة جيفونز: لماذا لا تحلّ الكفاءة المشكلة وحدها؟
يستحضر التقرير ما يُعرف بـ”تأثير الارتداد” أو مفارقة جيفونز: كلما صارت النماذج أكثر كفاءة، أصبحت أرخص، فازداد استخدامها بمعدّلاتٍ تفوق التوفير الذي حقّقته الكفاءة نفسها. أي أن التحسينات التقنية وحدها، دون حدودٍ واضحة على طول المخرجات أو دقّتها الافتراضية، تُمتَصّ بسهولة في نموّ الحجم الكلّي للاستخدام.
تركّزٌ جغرافي حاد
لا يقلّ خطورةً عن حجم الاستهلاك توزيعه: 32 دولة فقط في العالم تستضيف مراكز بياناتٍ متخصّصة بالذكاء الاصطناعي، وأكثر من 90% من هذه القدرة الحاسوبية مركّزة في دولتين فقط، بينما تفتقر أكثر من 150 دولة إلى أي بنيةٍ حوسبيةٍ سياديةٍ للذكاء الاصطناعي. في المقابل، تتحمّل مجتمعاتٌ محلّية معيّنة الأعباء البيئية المباشرة: في أيرلندا استحوذت مراكز البيانات على 21% من إجمالي الكهرباء المقاسة في 2023، متجاوزةً استهلاك كل المنازل الحضرية، ما دفع مشغّل الشبكة الوطنية لتجميد الموافقات الجديدة حول دبلن حتى 2028. في المكسيك وأوروغواي، ارتبط التوسّع في مراكز البيانات بضغطٍ على إمدادات المياه تزامن مع موجات جفافٍ حادة.
رابعًا: الأسباب العملية — كيف يترجَم هذا إلى ارتفاعٍ فعليّ في الحرارة؟
الرابط بين الذكاء الاصطناعي وموجات الحر ليس رابطًا مباشرًا بمعنى “سبّب الذكاء الاصطناعي هذه الموجة تحديدًا”، بل رابطٌ تراكميّ عبر آلياتٍ عملية واضحة:
أولًا، الطلب المتصاعد يُبقي الوقود الأحفوري في الخدمة. تقارير الاستدامة الحديثة لشركات التقنية الكبرى تُظهر هذا بوضوح: انبعاثات أمازون ارتفعت 16% في 2025 لتصل إلى نحو 81 مليون طنٍّ من ثاني أكسيد الكربون المكافئ — ما يعادل انبعاثات 19 مليون سيارةٍ تعمل بالبنزين — نتيجة توسّع بناء مراكز البيانات واستهلاك الكهرباء الذي قفز 34%. جوجل سجّلت ارتفاعًا في انبعاثاتها التشغيلية المباشرة بنسبة 20%، وانبعاثات سلسلة التوريد بنسبة 25%، معظمها مرتبطٌ بتصنيع العتاد وبناء مراكز البيانات. مايكروسوفت وميتا أعلنتا سابقًا عن قفزاتٍ بلغت 23% و64% على التوالي. هذا يعني عمليًّا أن التزامات “الحياد الكربوني” التي تعهّدت بها هذه الشركات — بعضها بحلول 2030 وبعضها 2040 — تتباعد عن المسار الفعلي بدل الاقتراب منه.
ثانيًا، سرعة النمو تتجاوز سرعة تحوّل الشبكات إلى الطاقة النظيفة. حتى حين تشتري الشركات طاقةً متجددة، فإن وتيرة بناء مراكز البيانات تفوق أحيانًا وتيرة إضافة القدرة النظيفة إلى الشبكة، ما يدفع بعض المشغّلين إلى الاعتماد على توربينات غازٍ مباشرة لتشغيل مراكز بياناتٍ جديدة في بعض الولايات الأمريكية، وهو حلٌّ سريع لكنه يُبقي انبعاثات الوقود الأحفوري في السوق لعقودٍ قادمة نظرًا لطول عمر هذه المحطات.
ثالثًا، النسبة الحالية متواضعة لكنها الأسرع نموًّا. وكالة الطاقة الدولية تقدّر أن انبعاثات مراكز البيانات ستبلغ نحو 1% فقط من الانبعاثات العالمية بحلول 2030 في سيناريوها المركزي (وربما 1.4% في سيناريو النموّ الأسرع). هذا رقمٌ متواضع بالمقارنة مع قطاعاتٍ مثل النقل البرّي أو الطيران، ولا يجعل الذكاء الاصطناعي “السبب الرئيسي” لموجات الحر — فالمحرّك الأكبر لأزمة المناخ يبقى حرق الوقود الأحفوري عبر كل قطاعات الاقتصاد. لكن اللافت أن مراكز البيانات من بين القطاعات القليلة التي يُتوقّع أن ترتفع انبعاثاتها فعليًّا خلال العقد القادم بينما يتراجع معظم القطاعات الأخرى نحو إزالة الكربون، ما يجعلها استثناءً يستحق الانتباه في لحظةٍ يفترض أن يتراجع فيها المسار العالمي لا أن يتصاعد.
رابعًا، التوقيت حرج. تحذّر دراسات إسناد المناخ من أن العقود القليلة القادمة هي النافذة الحقيقية للحدّ من تفاقم الظاهرة — أي أن أي مصدرٍ جديد ومتسارع النمو للطلب على الكهرباء، حتى لو كان نسبيًّا صغيرًا اليوم، يكتسب وزنًا أكبر حين يُقاس بمدى تأثيره على وتيرة التحوّل الطاقي في هذه المرحلة الحاسمة تحديدًا.
خامسًا: هل هذا يعني إدانة الذكاء الاصطناعي؟
معدّو تقرير الأمم المتحدة كانوا واضحين في هذه النقطة: التقرير ليس موقفًا مناهضًا للذكاء الاصطناعي، بل دعوةً لاستخدامه بمسؤولية ومعالجة آثاره غير المقصودة قبل فوات الأوان. فالذكاء الاصطناعي تقنيةٌ تُحسّن حياة مليارات البشر فعليًّا، لكن نافذة ضمان تطوّره ضمن الحدود الكوكبية ضيّقة، وفق ما صرّح به مدير المعهد القائم على الدراسة.
القضية الأعمق التي يطرحها التقرير هي قضية عدالةٍ بيئية: فوائد الذكاء الاصطناعي تتوزّع عالميًّا عبر الحدود والقطاعات، بينما تتركّز أعباؤه — من مواقع مراكز البيانات إلى استخراج المعادن الحرجة والنفايات الإلكترونية — في مجتمعاتٍ محدّدة، غالبًا ليست هي المستفيدة الأولى من الخدمة نفسها. هذا التفاوت بين من يدفع الثمن ومن يجني الفائدة هو ما يصف التقرير الفجوة الرقمية العالمية على أساسه، حين يذكر أن أكثر من 150 دولة لا تملك اليوم أي بنيةٍ حوسبيةٍ سياديةٍ للذكاء الاصطناعي رغم تحمّلها لبعض أعباء استخراج المعادن والنفايات.
سادسًا: خارطة طريقٍ نحو استخدامٍ أكثر مسؤولية
يقترح التقرير إطار حوكمةٍ قائمًا على ستة مبادئ: الشفافية، والكفاءة بالتصميم، والعدالة البيئية، والمسؤولية عبر دورة الحياة الكاملة للعتاد، والتعاون العالمي، والاستخدام المستدام. من أبرز التوصيات العملية الموجّهة لكل طرف:
- الحكومات: دمج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تخطيط الطاقة والمياه والأراضي، وإلزام مشغّلي مراكز البيانات بالإفصاح عن بصماتهم البيئية بمعاييرَ موحّدة.
- شركات التقنية والمطوّرون: التعامل مع اختيار النموذج والمخرجات الافتراضية كقراراتٍ بيئية مباشرة، لا كتفاصيل تقنيةٍ بحتة.
- المستخدمون والمؤسسات: اعتماد مبدأ “الاستخدام المناسب للغرض” — اختيار أخفّ نموذجٍ وأقلّ تنسيقٍ يفي بالمهمّة، بدل اللجوء الافتراضي لأثقل النماذج وأعلى الدقّات في كل استعلام.
- مشغّلو مراكز البيانات والمرافق: معاملة قرارات الموقع الجغرافي ومصدر الطاقة كقراراتٍ بيئية تراكمية، لا كقرارات تكلفةٍ فقط.
- المستثمرون: اعتبار البصمات الكربونية والمائية والأرضية عامل مخاطرةٍ ماديّ عند تقييم محافظ البنية التحتية لمراكز البيانات.
على المستوى الفردي، أبسط خطوةٍ عملية هي وعي المستخدم بأن ليست كل استعلامات الذكاء الاصطناعي متساوية الكلفة: نصٌّ قصير ليس كصورةٍ عالية الدقّة، وليس كمقطع فيديو مولَّد بالكامل — والفارق بينها قد يصل لآلاف الأضعاف.
الخلاصة
موجة الحر التي تجتاح أوروبا اليوم نتاج تراكمٍ علميّ واضح: احترارٌ عالميّ يضاعف احتمال الظواهر المتطرّفة عشرات المرّات، وقارّةٌ تسخن بضعف المعدّل العالمي، وأنظمة ضغطٍ جويّ باتت أكثر عدوانية. الذكاء الاصطناعي ليس السبب المباشر لهذه الموجة بعينها، ولا يتحمّل اليوم سوى نسبةٍ صغيرة نسبيًّا من الانبعاثات العالمية. لكنه القطاع الأسرع نموًّا من حيث الطلب على الكهرباء والمياه والأرض في لحظةٍ حرجة يفترض أن يتراجع فيها الاستهلاك لا أن يتصاعد، وهو ما يجعل مسؤوليته — وإن كانت جزئية — مسؤوليةً حقيقية تستحق قياسًا دقيقًا وحوكمةً واضحة، لا تجاهلًا ولا مبالغة.
تنبيهٌ منهجيّ: الأرقام الواردة في هذا المقال، خصوصًا التوقعات المستقبلية لاستهلاك الطاقة والانبعاثات حتى 2030، مبنيّةٌ على نماذج تقديرية قابلة للتغيّر مع تطوّر البنية التحتية وسياسات الطاقة. يُنصح دائمًا بالرجوع إلى المصادر الرسمية الحيّة أدناه للتأكّد من آخر الأرقام والتحديثات.
ملاحظة: الإحصاءات الخاصة بالوفيات والأضرار الناتجة عن موجات الحر لا تزال قيد التحديث من الجهات الرسمية في عدد من الدول الأوروبية، وقد تُراجَع الأرقام النهائية لاحقًا.